ابن كثير
204
البداية والنهاية
ثم دخلت سنة ست وأربعين وستمائة فيها قدم السلطان الصالح نجم الدين من الديار المصرية إلى دمشق وجهز الجيوش والمجانيق إلى حمص ، لأنه كان صاحبها الملك الأشرف بن موسى بن المنصور بن أسد الدين قد قايض بها إلى تل باشر لصاحب حلب الناصر يوسف بن العزيز ، ولما علمت الحلبيون بخروج الدماشقة برزوا أيضا في جحفل عظيم ليمنعوا حمص منهم ، واتفق الشيخ نجم الدين البادزاي ( 1 ) مدرس النظامية ببغداد في رسالة فأصلح بين الفريقين ، ورد كلا من الفئتين إلى مستقرها ولله الحمد . وفيها قتل مملوك تركي شاب صبي لسيده علي دفعه عنه لما أراد به من الفاحشة ، فصلب الغلام مسمرا ، وكان شابا حسنا جدا فتأسف الناس له لكونه صغيرا ومظلوما وحسنا ، ونظموا فيه قصائد ، وممن نظم فيه الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الذيل ، وقد أطال قصته جدا ، وفيها سقطت قنطرة رومية قديمة البناء بسوق الدقيق من دمشق ، عند قصر أم حكيم ، فتهدم بسببها شئ كثير من الدور والدكاكين ، وكان سقوطها نهارا . وفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من رجب وقع حريق بالمنارة الشرقية فأحرق جميع حشوها ، وكانت سلالمها سقالات من خشب ، وهلك للناس ودائع كثيرة كانت فيها ، وسلم الله الجامع وله الحمد . وقدم السلطان بعد أيام إلى دمشق فأمر بإعادتها كما كانت ، قلت : ثم احترقت وسقطت بالكلية بعد سنة أربعين وسبعمائة وأعيدت عمارتها أحسن مما كانت ولله الحمد . وبقيت حينئذ المنارة البيضاء الشرقية بدمشق كما نطق به الحديث في نزول عيسى عليه السلام عليها ، كما سيأتي بيانه وتقريره في موضعه إن شاء الله تعالى . ثم عاد السلطان الصالح أيوب مريضا في محفة إلى الديار المصرية وهو ثقيل مدنف ، شغله ما هو فيه عن أمره بقتل أخيه العادل أبي بكر بن الكامل الذي كان صاحب الديار المصرية بعد أبيه ، وقد كان سجنه سنة استحوذ على مصر ، فلما كان في هذه السنة في شوالها أمر بخنقه فخنق بتربة شمس الدولة ، فما عمر بعده إلا إلى النصف من شعبان في العام القابل في أسوأ حال ، وأشد مرض ، فسبحان من له الخلق والامر . وفيها كانت وفاة قاضي القضاة بالديار المصرية :
--> ( 1 ) كذا بالأصل ، والصواب الباذراي ، وهو عبد الله بن محمد بن الحسن البغدادي ، كان رئيسا للقضاة اعتاد الخليفة بعثه رسولا عنه - النجوم الزهراء 7 / 57 .